الحلبي

40

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أخرجوني منك قهرا ما خرجت » وفي لفظ « أنه صلى اللّه عليه وسلم وقف في وسط المسجد والتفت إلى البيت فقال : إني لأعلم ما وضع اللّه بيتا أحب إلى اللّه منك ، وما في الأرض بلد أحب إليه منك ، وما خرجت منك رغبة ، ولكن الذين كفروا أخرجوني » . أي وهذا السياق يدل على أن وقوفه صلى اللّه عليه وسلم على الحزورة أو في وسط المسجد يقتضي أنه جاء بعد خروجه من الغار إلى ما ذكر ، ثم ذهب إلى المدينة . وفي رواية « وقف صلى اللّه عليه وسلم على الحجون وقال : واللّه إنك لخير أرض اللّه ، وأحب أرض اللّه إلى اللّه ، ولو لم أخرج منك ما خرجت » وفي لفظ « ولو تركت فيك لما خرجت منك » ولا مانع من تكرر ذلك . ثم رأيت في كلام بعضهم أن وقوفه صلى اللّه عليه وسلم على الحجون كان في عام الفتح . وفي لفظ آخر « قال لمكة : ما أطيبك من بلدة وأحبك إليّ ؛ ولولا أن قومي أخرجوني ما سكنت غيرك » . أي وفي « جمال القراء » للسخاوي « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما توجه مهاجرا إلى المدينة وقف ونظر إلى مكة وبكي ؛ فأنزل اللّه عز وجل عليه وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً [ محمّد : الآية 13 ] الآية » . وأما ما روى الحاكم عن أبي هريرة مرفوعا « اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إليّ فأسكني في أحب البقاع إليك » فقال الذهبي : إنه موضوع . وقال ابن عبد البر : لا يختلف أهل العلم أنه منكر موضوع . أقول : والذي رأيته عن المستدرك للحاكم « اللهم : إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إليّ فأسكني أحب البلاد إليك » والمعنى واحد ، وإليه وإلى ما روي عن الزهري « اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ فأسكني أحب البلاد إليك » استند من قال بتفضيل المدينة على مكة ، قال : لأن اللّه تعالى أجاب دعاءه فأسكنه المدينة . قيل وعليه جمهور العلماء ، ومنهم الإمام مالك رضي اللّه تعالى عنه . وإلى الأحاديث الأول استند من قال بتفضيل مكة على المدينة وهم الجمهور ، ومنهم إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه ، واستندوا في ذلك إلى أنه صلى اللّه عليه وسلم قال في حجة الوداع « أيّ بلد تعلمون أعظم حرمة ؟ قالوا لا نعلم إلا بلدنا هذه » يعنون مكة ، وهذا إجماع من الصحابة أقرهم عليه صلى اللّه عليه وسلم أنها : أي مكة أفضل من سائر البلاد ، لأن ما كان أعظم حرمة فهو أفضل . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم « المقام بمكة سعادة ، والخروج منها شقاوة » وقال صلى اللّه عليه وسلم « من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام » . قال ابن عبد البر : وإني لأعجب ممن ترك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو قوله « واللّه إني لأعلم أنك خير أرض وأحبها إلى اللّه ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت » وهذا حديث صحيح ، ويميل إلى تأويل لا يجامع ما تأويله عليه : أي ولأن الحسنة فيها بمائة ألف حسنة . فعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللّه عليه وسلم